المناوي

26

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

فعظمت معاداة قريش له ولصحبه ، فكتبوا كتابا أن لا يناكحوا بني هاشم ، ولا يوالوهم ، ولا يبايعوهم ولا . . ، ولا . . ، وعلّقوه بالكعبة ، وحصروهم بالشّعب ثلاث سنين حتى اشتدّ بهم البلاء ، وسمعت أصوات صبيانهم يتضاغون « 1 » من الجوع ، وأطلع اللّه نبيّه على أنّ الأرضة أكلت ما في الصّحيفة من جور وظلم ، وبقي ذكر اللّه ، فأخبرهم ، فأخرجوها فوجدت كذلك ، وشلّت يد كاتبها ؛ فقام رجال من الكفّار في نقضها ، فلبسوا السّلاح وأخرجوهم . ثم مات عمّه أبو طالب ثم خديجة ، فحزن لذلك . ثم بعد عام ونصف أسري به من مكّة للقدس على ظهر البراق ، ثم علا إلى السّماء ومعه جبريل ، فأتى الأنبياء كلّ واحد في سماء ، ففرحوا به ، ثم علا إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام « 2 » بالأقدار ، ثم دنى فتدلّى ، ففرض اللّه عليه وعلى أمّته خمسين صلاة ، فلم يزل يراجعه ، ويسأله التّخفيف بإشارة موسى حتى جعلها خمسا ، فلمّا أصبح أخبرهم ، فصدّقه الصدّيق رضي اللّه عنه ، وكذّبه الكفّار ، وسألوه عن صفة بيت المقدس ، ولم يكن رآه قبل ، فرفعه إليه جبريل عليه السّلام حتى وصفه لهم ، فلم يمكنهم تكذيبه لكن جحدوا عنادا . ولما اشتدّ الأذى للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم عرض نفسه على القبائل يطلب من يؤويه ويحميه ليبلّغ رسالة ربّه ، فكلّ منهم يعرض ويهزأ به حتى أتاح اللّه له الأنصار ، فصار الواحد منهم يسلم ، فيسلم جميع عشيرته ، ففشى الإسلام بالمدينة ، فهاجر إليها المسلمون . وأراد أبو بكر رضي اللّه عنه أن يهاجر فمنعه ، حتى هاجرا معا ، فخرجا إلى غار ثور ، ومعهما عامر بن فهيرة يخدمهما ، وابن أريقط يدلّ على الطريق ، فسلكوا طريق السّاحل ، وأعمى اللّه عنهم العدوّ ، فرآهم سراقة فتبعهم يريد قتلهم ، فدعا عليه المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم فساخت فرسه في الأرض ، فناداه : الأمان

--> ( 1 ) يتضاغون : يصيحون ويضجون . انظر النهاية ( ضغا ) . ( 2 ) صريف الأقلام : صوت جريانها بما تكتبه من أقضية اللّه تعالى ووحيه ، وما ينتسخونه من اللّوح المحفوظ . النهاية ( صرف ) .